أبي الفرج الأصفهاني

382

الأغاني

فاطمة بنت المنذر ، وكانت لها وليدة يقال لها بنت عجلان ، وكان لها قصر [ بكاظمة ] [ 1 ] وعليه حرس . وكان الحرس يجرّون كل ليلة حوله الثياب فلا يطؤه أحد إلا بنت عجلان . وكان لبنت عجلان في كلّ ليلة رجل من أهل الماء يبيت عندها . فقال عمرو بن جناب [ 2 ] بن مالك لمرقّش : إنّ بنت عجلان تأخذ كلّ عشيّة رجلا ممن يعجبها فيبيت معها . وكان مرقّش ترعية [ 3 ] لا يفارق إبله ، فأقام بالماء وترك إبله ظمأى ، وكان من أجمل الناس وجها وأحسنهم شعرا . وكانت فاطمة بنت المنذر تقعد فوق القصر فتنظر إلى الناس . فجاء مرقّش فبات عند ابنة عجلان ؛ حتى إذا كان من الغد تجرّدت عند مولاتها . فقالت لها : ما هذا بفخذيك ؟ - وإذا نكت كأنها التين [ 4 ] وكآثار السّياط من شدّة حفزه إياها عند الجماع - قالت : آثار رجل بات معي الليلة . وقد كانت فاطمة قالت لها : لقد رأيت رجلا جميلا راح نحونا بالعشيّة لم أره قبل ذلك ؛ قالت : فإنه فتى قعد عن إبله وكان يرعاها ، وهو الفتى الجميل الذي رأيته ، وهو الذي بات معي فأثر فيّ هذه / الآثار . قالت لها فاطمة : فإذا كان غد وأتاك فقدّمي له مجمرا ومريه أن يجلس عليه وأعطيه سواكا ، فإن استاك به أوردّه فلا خير فيه ، وإن قعد على المجمر أوردّه فلا خير فيه . فأتته بالمجمر فقالت له : اقعد عليه ؛ فأبى وقال : أدنيه مني ، فدخّن لحيته وجمّته وأبى أن يقعد عليه ، وأخذ السواك فقطع رأسه واستاك به . فأتت ابنة عجلان فاطمة فأخبرتها بما صنع ؛ فازدادت به عجبا وقالت : ائتيني به . فتعلقت به كما كانت تتعلق ، فمضى معها وانصرف أصحابه . فقال القوم حين انصرفوا : لشدّ ما علقت بنت عجلان المرقّش ! وكان الحرس ينثرون التراب حول قبّة فاطمة بنت المنذر ويجرّون عليه ثوبا حين تمسي ويحرسونها فلا يدخل عليها إلا ابنة عجلان ؛ فإذا كان الغد بعث الملك بالقافة فينظرون أثر من دخل إليها ويعودون فيقولون له : لم نر إلا أثر بنت عجلان . فلما كانت تلك الليلة حملت بنت عجلان مرقّشا على ظهرها وحزمته / إلى بطنها بثوب ، وأدخلته إليها فبات معها . فلما أصبح بعث الملك بالقافة فنظروا وعادوا إليه فقالوا : نظرنا أثر بنت عجلان وهي مثقلة . فلبث بذلك حينا يدخل إليها . فكان عمرو بن جناب بن عوف بن مالك يرى ما يفعل ولا يعرف مذهبه . فقال له : ألم تكن عاهدتني عهدا لا تكتمني شيئا ولا أكتمك ولا نتكاذب ؟ ! فأخبره مرقّش الخبر ؛ فقال له : لا أرضى عنك ولا أكلَّمك أبدا أو تدخلني عليها ، وحلف على ذلك . فانطلق المرقّش إلى المكان الذي كان يواعد فيه بنت عجلان فأجلسه فيه وانصرف وأخبره كيف يصنع ، وكانا متشابهين غير أن عمرو بن جناب كان أشعر ، فأتته بنت عجلان فاحتملته وأدخلته إليها وصنع ما أمره به مرقش . فلما أراد مباشرتها وجدت شعر فخذيه فاستنكرته ، وإذا هو يرعد ؛ فدفعته بقدمها في صدره وقالت : قبّح اللَّه سرّا عند المعيدي . ودعت بنت عجلان فذهبت به ، وانطلق إلى موضع صاحبه . فلما رآه قد أسرع الكرّة ولم يلبث إلا قليلا ، علم أنه قد / افتضح ، فعضّ على إصبعه فقطعها . ثم انطلق إلى أهله وترك المال الذي كان فيه - يعني الإبل التي كان مقيما فيها - حياء مما صنع . وقال مرقش في ذلك :

--> [ 1 ] زيادة عن ح و « المفضليات » و « تجريد الأغاني » . وكاظمة : على سيف البحر في طريق البحرين من البصرة بينها وبين البصرة مرحلتان وفيها آبار كثيرة وماؤها شروب واستسقاؤها ظاهر . [ 2 ] كذا في « تجريد الأغاني » و « المفضليات » وفيما سيأتي في جميع الأصول . وفي ح : « عمرو بن حباب » . وفي سائر الأصول : « حسان » . وكلاهما تحريف . [ 3 ] رجل ترعية ( مثلثة الأول مع تشديد الياء وقد تخفف ) وترعاية ( بالكسر ) وتراعية ( بالضم ) وترعى ( بالكسر ) : يجيد رعية الإبل ، أو صناعته وصناعة آبائه رعاية الإبل . [ 4 ] كذا في أكثر الأصول . وفي ح : « البثر » . وفي ب و « المفضليات » : « التبن » . وقد أشير في هامش « المفضليات » إلى أن هذه الرواية ( التين ) لا معنى لها ، وأنه يحتمل أن يكون محرفة عن « النبر » وهو الورم في الجسد .